محمد بن جرير الطبري
451
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ » ، ذكر لنا انه يخسف به كل يوم قامه ، وانه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة . قال أبو جعفر : فلما نزلت نقمه الله بقارون حمد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وانذروه بأمر الله ، ونصحوا له من المعرفة بحقه والعمل بطاعته ، وندم الذين كانوا يتمنون ما هو فيه من كثره المال ، والسعة في العيش على أمنيتهم ، وعرفوا خطا أنفسهم في امنيتها ، فقالوا ما اخبر الله عز وجل عنهم في كتابه : « وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا » ، فصرف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به وبهم فنجى الله تعالى من كل هول وبلاء نبيه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بني إسرائيل ، وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم ، وأهلك أعدائه وأعدائهم : فرعون وهامان وقارون والكنعانيين بكفرهم وتمردهم عليه وعتوهم ، بالغرق بعضا ، وبالخسف بعضا ، وبالسيف بعضا ، وجعلهم عبرا لمن اعتبر بهم ، وعظه لمن اتعظ بهم ، مع كثره أموالهم وكثره عدد جنودهم ، وشده بطشهم ، وعظم خلقهم وأجسامهم ، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئا ، إذ كانوا يجحدون بآيات الله ، ويسعون في الأرض فسادا ، ويتخذون عباد الله لأنفسهم خولا ، وحاق بهم ما كانوا منه آمنين ، نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه ، ونرغب اليه في التوفيق لما يدنى من محبته ، ويزلف إلى رحمته ! وروى عن النبي ص ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنا عمى ، قال : حدثني الماضي بن محمد ، عن أبي سليمان ، عن القاسم بن محمد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر ، قال : [ قال رسول الله ص : أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى